خطب معاوية بدمشق، فقال: أيها الناس: سافروا بأبصاركم في كر الجديدين،
ثم ارجعوها كليلة عن بلوغ الأمل، فإن الماضي عظة للباقي، ولا تجعلوا الغرور
سبيل العجز عن الجد، فتنقطع حجتكم في موقفٍ اللهُ سائلُكم فيه، ومحاسبُكم
فيما أسلفتم، أيها الناس: أمس شاهد فاحذروه، واليوم مؤدب فاعرفوه، وغدًا
رسول فأكرموه".
كتب إليه عمر بن عبد العزيز رحمهما الله: اكتب إلي يا أبا سعيد بموعظة، فأوجز، فكتب إليه: "أما
بعد يا أمير المؤمنين: فكأن الذي كان لم يكن، وكأن الذي هو كائن قد نزل،
واعلم يا أمير المؤمنين أن الصبر، وإن أذاقك تعجيل مرارته، فلنعم ما أعقبك
من طيب حلاوته، وحسن عاقبته، وأن الهوى، وإن أذاقك طعم حلاوته، فلبئس ما
أعقبك من مرارته، وسوء عاقبته، واعلم يا أمير المؤمنين أن الفائز من حرص
على السلامة في دار الإقامة، وفاز بالرحمة فأدخل الجنة".
جاور قيس بن زهير العبسي1 بعد يوم الهباءة النمر بن قاسط، وتزوج منهم، وأقام فيهم حتى ولد له؛ فلما أراد الرحيل عنهم قال: "يا معشر النمر: إن لكم علي حقًا، وأنا أريد أن أوصيكم، وآمركم بخصال،
وأنهاكم عن خصال، عليكم بالأناة؛ فإن بها تدرك الحاجة، وتنال القرضة،
وتسويد من لا تعاون بتسويده، وعليكم بالوفاء؛ فإن به يعيش الناس وبإعطاء من
تريدون إعطاءه قبل المسألة، ومنع من يريدون منعه قبل الإلحاح، وإجارة
الجار على الدهر، وتنفيس المنازل عن بيوت اليتامى، وخلط الضيف بالعيال. وأنهاكم
عن الغدر؛ فإنه عار الدهر، وعن الرهان، فإني به ثكلت مالكًا أخي وعن الغي،
فإنه قتل زهيرًا أبي1، وعن الإعطاء في الفضول، فتعجزا عن الحقوق، وعن
السرف في الدماء، فإن يوم الهباءة3 ألزمني العار، ومنع الحرم إلا من
الأكفاء،فإن لم تصيبوا لهن الأكفاء. فإن خير مناكحهن القبور، "أو خير منازلها"،
واعلموا أني كنت ظالمًا مظلومًا، ظلمني بنو بدر بقتلهم مالكًا أخي، وظلمتهم
بأن قتلت من لاذنب له".
هو صاحب حرب داحس والغبراء، وكان من قصته أنه
تراهن هو وحذيفة بن سيد بني ذيبان على فريسهما داحس "فرس قيس" والغبراء
"فرس حذيفة" -وقيل إنهما تراهنا على داحس والغبراء فرسي قيس، والخطار
والحنفاء فرسي حذيفة- وتواضعا الرهان على مائة بعير، ثم قادوهما إلى رأس== الميدان، وفي طرف الغاية شعاب كثيرة، فأكمن حمل
بن بدر في تلك الشعاب فتيانًا على طريق الفرسين، وأمرهم إن جاء داحس سابقًا
أن يردوا وجهه عن الغاية؛ فأرسلوهما فأحضرا، فلما شارف داحس الغاية ودنا
من الفتية، وثبوا في وجهه فردوه عنها، وعلم قيس بذلك، وبعث حذيفة بن بدر
ابنه مالكًا إلى قيس يطلب منه حق السبق؛ فقال قيس: كلا لأمطلنك به؛ فتناول
ابن حذيفة من عرض قيس وشتمه وأغلظ له، وكان إلى جنب قيس رمح فطعنه به فدق
صلبه، واجتمع الحيان وأدوا دية المقتول، وأخذها حذيفة دفعًا للشر، ثم إن
قومه ندموه فعاد الشر بينهم، وقامت الفتن بين الحيين، وعدا حذيفة على مالك
بن زهير أخي قيس فقتله، وكان الربيع بن زياد عمهما معتزل الحرب؛ فلما سمع
بمقتل ابن أخيه مالك شق ذلك عليه وقاتل بني ذبيان، ثم توالت أيام الحروب
بينهم، وكان أعظمها يوم الهباءة حتى أصلح بينهم الحارث بن عوف وهرم بن سنان
المريان، وحملا ديات القتلى ثلاثة آلاف بعير. 1 وسبب مقتل زهير بن
جذيمة العبسي أبي قيس، أن هوازن بن منصور كانت تؤتي الإتاوة زهير بن جذيمة
-ولم تكثر عامر بن صعصعة بعد- فأتت عجوز من هوازن إلى زهير بسمن في نحي
"النحي كحمل الزق، أو ما كان للسمن خاصة" فاعتذرت إليه، وشكت السنين
اللواتي تتابعن على الناس "فذاقه فلم يرض طعمه، فدعها أي دفعها بقوس في يده
فسقطت فبدت عورتها؛ فغضبت من ذلك هوازن وحقدته إلى مكان في صدورها من
الغيط، وكانت يومئذ قد كثرت بنو عامر بن صعصمة فثاروا إليه فقاتلوه حتى
قتلوه. 3 وكان حذيفة بن بدر وأخوه نزلا مع أصحابهما في حفر الهباءة،
فأتبعهم قيس ومن معه حتى أدركهم فيه، وقد أرسلوا خيولهم ونزعوا سلاحهم
"وكان حذيفة قد أخذ غلامين من بني عبس؛ فقتلهما وهما يسغيثان يا أبتاه حتى
ماتا" فشد قيس والربيع ومن معهما عليهم، وهم ينادون لبيكم لبيكم، يعني أنهم
يجيبون نداء الصبية لما قتلوا ينادون يا أبتاه، فناشدوهم الله والرحم، فلم
يقبلوا منهم، وقتلوا حذيفة وحملا أخاه، ومثلوا بحذيفة فقطعوا مذاكيره
وجعلوها في فيه وجعلوا لسانه في استه، وأسرف قيس في النكاية والقتل، وكانت
فزارة تسمى هذه الوقعة البوار، ولكن فيما ندم بعد ذلك ورثى حمل بن بدر، وهو
أول من رثى مقتوله.
كان يقول: "لا يستحق أحد حقيقة الإيمان، حتى لا يعيب الناس بعيب هو فيه ,ولا
يأمر بإصلاح عيوبهم، حتى يبدأ بإصلاح ذلك من نفسه، فإنه إذا فعل ذلك لم
يصلح عيبا إلا وجد في نفسه عيبا آخر ينبغي له أن يصلحه، فإذا فعل ذلك شغل
بخاصة نفسه عن عيب غيره، وإنك ناظر إلى عملك بوزن خيره وشره، فلا تحقرن
شيئا من الخير وإن صغر؛ فإنك إذا رأيته سرك مكانه، ولا تحقرن شيئًا من الشر
وإن صغر؛فإنك إذا رأيته ساءك مكانه".
كان إذا قرأ: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ }قال: عم ألهاكم؟ عن دار
الخلود، وجنة لا تبيد، هذا والله فضح القوم، وهتك الستر، وأبدى العوار،
تنفق مثل دينك في شهواتك سرفًا، وتمنع في حق الله درهمًا! ستعلم يا لكع،
الناس ثلاثة: مؤمن، وكافر، ومنافق؛ فأما المؤمن: فقد ألجمه الخوف وقومه ذكر
العرض؛ وأما الكافر: فقد قمعه السيف، وشرده الخوف، فأذعن بالجزية، وسمح
بالصربية؛ وأما المنافق: ففي الحجرات والطرقات، يسرون غير ما يعلنون،
ويضمرون غير ما يظهرون، فاعتبروا إنكارهم ربهم، بأعمالهم الخبيثة، ويلك؟
قتلت وليه، ثم تتمنى عليه جنته؟ ".
أوصى حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري بني بدر فقال: "اسمعوا مني ما أوصيكم
به: لا يتكل آخركم على أولكم؛ فإنما يدرك الآخر ما أدركه الأول، وأنكحوا
الكفء الغريب؛ فإنه عز حادث، وإذا حضركم أمران، فخذوا بخيرهما صدرًا1، فإن
كل مورد مغروف، وأصحبوا قومكم بأجمل أخلاقكم، ولا تخالفوا فيما اجتمعوا
عليه، فإن الخلاف يزري بالرئيس المطاع، وإذا حادثتم فاربعوا2، ثم قولوا
الصدق؛ فإنه لا خير في الكذب، وصونوا الخيل فإنها حصون الرجال، وأطيلوا
الرماح فإنها قرون الخيل، وأعزوا الكبير بالكبر؛ فإني بذلك كنت أغلب الناس،
ولا تغزوا إلا بالعيون3، ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصباح4، وأعطوا على حسب
المال، وأعجلوا الضيف بالقرى5، فإن خيره أعجله، واتقوا فضيحات البغي،
وفلتات المزاح، ولا تجيروا على الملوك، فإن أيديهم أطول من أيديكم".
1الصدر: الرجوع. 2 ربع: كمنع انتظر وتحبس، وربع الحبل: فتله من أربع طاقات، والمعنى إذا حادثتم فتأنوا وتمهلوا، أو فأحكموا القول. 3 العيون: جمع عين، وهي خيار كل شيء. 4 الصباح الغارة: أي ولا تسرحوا مقاتلتكم حتى تأمنوا الغارة. 5 قرى الضيف يقريه قرى: أحسن إليه، والقرى أيضًا ما قرى به الضيف.
كان قيس بن زهير العبسي قد اشترى من مكة درعًا حسنة، تسمى ذات الفضول، وورد
بها إلى قومه، فرآها عمه الربيع بن زياد، وكان سيد بني عبس، فأخذها منه غضبًا، فقالت الجمانة بنت قيس لأبيها: دعني أناظر جدي، فإن صلح الأمر بينكما، وإلا كنت من وراء رأيك؛ فأذن لها، فأتت الربيع فقالت: "إذا
كان قيس أبي، فإنك يا ريبع جدي، وما يجب له من حق الأبوة علي، إلا كالذي
يجب عليك من حق البنوة لي، والرأي الصحيح تبعثه العناية، وتجلي عن محضه
النصيحة، إنك قد ظلمت قيسًا بأخذ درعه، وأجد مكافأته إياك سوء عزمه،
والمعارض منتصر، والبادي أظلم، وليس قيس ممن يخوف بالوعيد، ولا يردعه
التهديد، فلا تركنن إلى منابذته؛ فالحزم في متاركته، والحرب متلفة للعباد،
ذهابة بالطارف والتلاد، والسلم أرخى للبال، وأبقى لأنفس الرجال، وبحق أقول:
لقد صعدت بحكم، وما يدفع قولي إلا غير ذي فهم"، ثم أنشأت تقول: أبي لا يرى أن يترك الدهر درعه ... وجدي يرى أن يأخذ الدرع من أبي فرأي أبي رأي البخيل بماله ... وشيمة جدي شيمة الخائف الأبي
عاش الأوس بن حارثة دهرًا، وليس له ولد إلا مالك، وكان لأخيه الخزرج خمسة:
عمرو، وعوف، وجشم، والحرث، وكعب؛ فلما حضره الموت، قال له قومه: قد كنا
نأمرك بالتزويج في شبابك؛ فلم تزوج حتى حضرك الموت، فقال الأوس: "لم يهلك
هالك، ترك مثل مالك، وإن كان الخزرج ذا عدد، وليس لمالك ولد؛ فلعل الذي
استخرج العذق1 من الجريمة2، والنار من الوثيمة3، أن يجعل لمالك نسلا،
ورجالًا بسلًا4، يا مالك، المنية ولا الدنية، والعتاب قبل العقاب، والتجلد
لا التبلد، واعلم أن القبر خير من الفقر، وشر شارب المشنق5، وأقبح طاعم
المقتف6، ودهاب البصر خير من كثير من النظر، ومن كرم الكريم، الدفاع عن
الحريم، ومن قل ذل، ومن أمر7 فل، وخير الغنى القناعة، وشر الفقر الضراعة،
والدهر يومان، فيوم لك ويوم عليك؛ فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر؛ فكلاهما
سينحسر1، فإنما تعز2 من ترى ويعزك من لا ترى، ولو كان الموت يشترى، لسلم
منه أهل الدنيا؛ ولكن الناس فيه مستوون، الشريف الأبلج، واللئيم المعلهج3،
والموت المفيت؛ خير من أن يقال لك هبيت4، وكيف بالسلامة، لمن ليست له
إقامة، وشر من المصيبة سوء الخلف، وكل مجموع إلى تلف، حياك إلهك.
العذق: النخلة بحملها والعذق "بكسر العين" القنو منها. 2 النواة. 3
الوثيمة: الحجارة، وثمه: كسره ودقه. ووثم الفرس الأرض: رجمها بحوافره. ومن
أيمان العرب لا والذي أخرج العذق من الجريمة. والنار من الوثيمة، وقولهم:
لا والذي شقهن خمسًا من واحدة يعنون الأصابع، وقولهم: لا والذي أخرج قائبة
من توب يعنون فرخًا من بيضة. لا والذي وجهي زمم بيته "بالتحريك" أي قصده
وحذاءه. 4 شجعانًا: جمع باسل. 5 المستقصي، اشتف ما في الإناء شربه كله. واشتف إذا شرب الشفافة "بالضم"، وهي البقية تبق في الإناء. 6 الآخذ بعجلة، ومنه سمي القفاف وهو من يسرق الدراهم بين أصابعه. 7 أمر كفرح أمرا وأمرة: كثروتم فهو أمر وآمر الله وأمره كنصره كثره: "وإذا أردنا أن يهلك قرية أمرنا مترفيها". أي كثرنا.
كان يقول: "رحم الله رجلا خلا بكتاب الله، فعرض عليه نفسه، فإن وافقه حمد
ربه، وسأله الزيادة من فضله، وإن خالفه أعتب وأناب، وراجع من قريب، رحم
الله رجلا وعظ أخاه وأهله فقال: "يا أهلي: صلاتكم صلاتكم، زكاتكم زكاتكم،
جيرانكم جيرانكم، إخوانكم إخوانكم، مساكينكم مساكينكم، لعل الله يرحمكم،
فإن الله تبارك وتعالى أثنى على عبد من عباده، فقال: {وَكَانَ يَأْمُرُ
أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} .
يابن آدم: كيف تكون مسلما ولم يسلم منك جارك، وكيف تكون مؤمنا ولم يأمنك
الناس؟ ".
خطب فقال: "اللهم أرني الغيَّ غيًّا فأجتنبه، وأرني الهدى هدًى فأتبعه،
ولا تكلني إلى نفسي فأضل ضلالًا بعيدًا، والله ما أحب أن ما مضى من الدنيا
لي بعمامتي هذه، ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء".
خطب يومًا، فقال: أيها الناس، اقدَعُوا هذه الأنفس؛ فإنها أسْألُ شيء
إذا أعطيت، وأعصى شيء إذا سئلت، فرحم الله امرأ جعل لنفسه خطامًا وزمامًا
فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وعطفها بزمامها عن معصية الله؛ فإني رأيت
الصبر عن محارم الله، أيسر من الصبر على عذاب الله".
لما ولي عمر بن هبيرة الفزاري العراق -وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك-
استدعى الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، والشعبي، سنة ثلاث ومائة، فقال لهم:
إن يزيد خليفة الله، استخلفه على عباده، وأخذ عليهم الميثاق بطاعته، وأخذ
عهدنا بالسمع والطاعة، وقد ولاني ما ترون، فيكتب إلي بالأمر من أمره، أعرف
في تنفيذه الهلكة، فأخاف إن أطعته غضب الله، وإن عصيته لم آمن سطوته، فما
ترون:؟ فقال ابن سيرين والشعبي قولا فيه تقية، وكان ابن هبيرة لا يستشِفي
دون أن يسمع قول الحسن، فقال: قل ما عندك يا أبا سعيد، فقال: "يابن هبيرة:
خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله؛ إن الله يمنعك من يزيد، وإن يزيد
لا يمنعك من الله، وأوشك أن يبعث إليك ملكا، فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من
سعة قصرك، إلى ضيق قبرك، ثم لا ينجيك إلا عملك، يابن هبيرة: إن تعص الله،
فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرًا لدين الله وعباده، فلا تركبن دين الله
وعباده بسلطان الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". وفي رواية
أخرى قال: "أقول والله إنه يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله فظ غليظ، لا
يعصي الله ما أمره، فيخرجك من سعة قصرك، إلى ضيق قبرك، فلا يغني عنك ابن
عبد الملك شيئا، وإني لأرجو أن الله عز وجل سيعصمك من يزيد، وإن يزيد لا
يمنعك من الله، فاتق الله أيها الأمير، فإنك لا تأمن أن ينظر الله إليك،
وأنت على أقبح ما تكون عليه من طاعة يزيد، نظرة يمقتك بها، فيغلق عنك باب
الرحمة، واعلم أني أخوفك ما خوفك الله سبحانه حين يقول: {ذَلِكَ لِمَنْ
خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} ، وإذا كنت مع الله عز وجل في طاعته كفاك
بوائق يزيد، وإن كنت مع يزيد على معصية الله وكلك الله إلى يزيد حين لا
يغني عنك شيئًا". فبكى عمر بن هبيرة بكاء شديدا، ثم أجازهم، وأضعف جائزة الحسن، فقال الشعبي لابن سيرين: سفسفنا1 له، فسفسف لنا
خطب الحجاج يومًا فقال: "أيها الناس، قد أصبحتم في أجل منقوص، وعمل
محفوظ، رُبَّ دائبٍ مضيع، وساعٍ لغيره، والموتُ في أعناقكم، والنارُ بين
أيديكم، والجنةُ أمامكم، خذوا من أنفسكم لأنفسكم، ومن غناكم لفقركم، ومما
في أيديكم لما بين أيديكم؛ فكأن ما قد مضى من الدنيا لم يكن، وكأن الأموات
لم يكونوا أحياء، وكل ما ترونه فإنه ذاهب، هذه شمس عاد وثمود وقرون كثيرة
بين ذلك، هذه الشمس التي طلعت على التبابعة والأكاسرة، وخزائنهم السائرة
بين أيديهم، وقصورهم المشيدة، ثم طلعت على قبورهم، أين الملوك الأولون، أين
الجبابرة المتكبرون؟ المحاسب الله، والصراط منصوب، وجهنم تزفر وتتوقد،
وأهل الجنة ينعمون، في روضة يحبرون، جعلنا الله وإياكم من الذين {إِذَا
ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا
وَعُمْيَانًا} . فكان الحسن البصري رحمه الله يقول: "ألا تعجبون من هذا
الفاجر؟ يرقى عتبات المنبر، فيتكلم بكلام الأنبياء، وينزل فيفتك فتك
الجبارين، يوافق الله في قوله ويخالفه في فعله".
قال مالك بن دينار: غدوت إلى الجمعة؛ فجلست قريبًا من المنبر، فصعد الحجاج، ثم قال: "امرؤ
حاسب نفسه، امرؤ راقب ربه، امرؤ زوَّر عمله، امرؤ فكر فيما يقرؤه غدًا في
صحيفته، ويراه في ميزانه، امرؤ كان عند همِّه آمرًا، وعند هواه زاجرًا،
امرؤ أخذ بعنان قلبه، كما يأخذ الرجل بخطام جمله، فإن قاده إلى حقٍّ تبعه،
وإن قاده إلى معصية الله كفَّه، إننا والله ما خلقنا للفناء، وإنما خلقنا
للبقاء، وإنما ننتقل من دار إلى دار".
كان يقول: "يابن آدم، لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من
الآخرة أفقر، مؤمن مهتم، وعلج اغتم، وأعرابي لا فقه له، ومنافق مكذب،
ودنياوي مترف، نعق بهم ناعق فاتبعوه، فراش نار، وذبان طمع، والذي نفس
الحسن بيده، ما أصبح في هذه القرية مؤمن إلا أصبح مهموما حزينا، وليس لمؤمن
راحة دون لقاء الله، الناس ما داموا في عافية مستورون، فإذا نزل بلاء
صاروا إلى حقائقهم، فصار المؤمن إلى إيمانه، والمنافق إلى نفاقه، أي قوم:
إن نعمة الله عليكم أفضل من أعمالكم، فسارعوا إلى ربكم، فإنه ليس لمؤمن
راحة دون الجنة، ولا يزال العبد بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت
المحاسبة من همه".
قال الحسن البصري رحمه الله: "يابن آدم: بع دنياك بآخرتك تربحهما
جميعا، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعًا. يابن آدم: إذا رأيت الناس في
الخير فنافسهم فيه، وإذا رأيتهم في الشر فلا تغبطهم عليه، الثواءههنا
قليل، والبقاء هناك طويل، أمتكم آخر الأمم، وأنتم آخر أمتكم، وقد أُسرِعَ
بخياركم، فماذا تنتظرون؟ المعاينة؟ فكأن قد، هيهات هيهات! ذهبت الدنيا
بحاليها، وبقيت الأعمال قلائد في أعناق بني آدم. فيا لها موعظة لو
وافقت من القلوب حياة! أما إنه والله لا أمة بعد أمتكم، ولا نبي بعد نبيكم،
ولا كتاب بعد كتابكم، أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم، وإنما ينتظر
بأولكم أن يلحقه آخركم، من رأى محمدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقد رآه غاديًا ورائحًا، لم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، رفع له
علم، فشمر إليه، فالوحاء الوحاء والنجاء النجاء، علام تعرجون؟ أُتِيتُم ورب الكعبة! قد أُسرِعَ بخياركم:
وأنتم كل يوم ترذلون، فماذا تنتظرون؟ إن الله تبارك وتعالى بعث محمدا عليه
الصلاة والسلام على علم منه، اختاره لنفسه، وبعثه برسالته، وأنزل عليه
كتابه، وكان صفوته من خلقه، ورسوله إلى عباده ثم وضعه من الدنيا موضعا ينظر
إليه أهل الأرض، وآتاه منها قوتا وبلغة، ثم قال:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ
فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} . فرغب أقوام عن عيشه، وسخطوا ما رضي له ربه، فأبعدهم الله وأسحقهم. يابن
آدم: طإ الأرض بقدمك، فإنها عن قليل قبرك، واعلم أنك لم تزل في هدم عمرك
منذ سقطت من بطن أمك، رحم الله رجلا نظر فتفكر، وتفكر فاعتبر، وأبصر فصبر،
فقد أبصر أقوام ولم يصبروا، فذهب الجزع بقلوبهم، ولم يدركوا ما طلبوا، ولم
يرجعوا إلى ما فارقوا. يابن آدم: اذكر قوله: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ
أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ
الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} . عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك، خذوا
صفا الدنيا، وذروا كدرها، فليس الصفو ما عاد كدرا، ولا الكدر ما عاد صفوا،
دعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم، ظهر الجفاء وقلت العلماء، وعفت السنة،
وشاعت البدعة، لقد صحبت أقواما ما كانت صحبتهم إلا قرة العين، وجلاء
الصدور، ولقد رأيت أقواما كانوا -من حسناتهم أن ترد عليهم- أشفق منكم -من
سيئاتكم أن تعذبوا عليها، وكانوا فيما أحل الله لهم من الدنيا أزهد منكم
فيما حرم الله عليكم منها، ما لي أسمع حسيسًا، ولا أرى أنيسًا، ذهب الناس وبقي النسناس1، لو تكاشفتم ما تدافنتم، تهاديتم الأطباق،
ولم تتهادوا النصائح، قال ابن الخطاب: "رحم الله امرأ أهدى إلينا مساوينا"
أعدوا الجواب، فإنكم مسئولون، المؤمن من لم يأخذ دينه عن رأيه، ولكنه أخذه
من قبل ربه، إن هذا الحق قد جهد أهله، وحال بينهم وبين شهواتهم، وما يصبر
عليه إلا من عرف فضله، ورجا عاقبته، فمن حمد الدنيا ذم الآخرة، وليس يكره
لقاء الله إلا مقيم على سخطه. يابن آدم: الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلوب، وصدقه العمل.
وصى عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ابنه محمدًا النفس الزكية "أو إبراهيم"، فقال: "أي
بني، إني مؤدٍّ حق الله في تأديبك، فأد إلي حق الله في الاستماع مني، أي
بني كف الأذى، وارفض البذا1، واستعن على الكلام بطول الفكر، في المواطن
التي تدعوك فيها نفسك إلى الكلام، فإن للقول ساعات يضر فيها الخطأ، ولا
ينفع فيها الصواب. واحذر مشورة الجاهل وإن كان ناصحًا، كما تحذر مشورة
العاقل إذا كان غاشًّا؛ لأنه يرديك بمشورته. واعلم يا بني أن رأيك إذا
احتجت إليه وجدته نائمًا، ووجدت هواك يقظان، فإياك أن تستبد برأيك، فإنه
حينئذ هواك، ولا تفعل فعلًا إلا وأنت على يقين أن عاقبته لا ترديك، وأن
نتيجته لاتجني عليك".
كان يقول: "إن العلماء كانوا قد استغنوا بعلمهم عن أهل الدنيا، وكانوا
يقضون بعلمهم على أهل الدنيا، ما لا يقضي أهل الدنيا بدنياهم فيها، وكان
أهل الدنيا يبذلون دنياهم لأهل العلم رغبة في علمهم، فأصبح اليوم أهل العلم
يبذلون علمهم لأهل الدنيا رغبة في دنياهم، فرغب أهل الدنيا بدنياهم عنهم،
وزهدوا في علمهم، لما رأوا من سوء موضعه عندهم"، وكان يقول: لا أذهب إلى من
يواري.غنًى غناه، ويبدي لي فقره، ويغلق دوني بابه، ويمنعني ما عنده، وأدع من يفتح لي بابه، ويبدي لي غناه، ويدعوني إلى ما عنده".
خطب عبد الملك بن مروان، فقال: "أيها الناس: اعملوا لله رغبة ورهبة،
فإنكم نبات نعمته، وحصيد نقمته، ولا تغرس لكم الآمال، إلا ما تجتنيه
الآجال، وأقلوا الرغبة فيما يورث العطب، فكل ما تزرعه العاجلة، تقلعه
الآجلة، واحذروا الجديدين، فهما يكران عليكم، إن عقبى من بقي لحوق بمن مضى،
وعلى أثر من سلف، يمضي من خلف، {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ
التَّقْوَى} .
خطبة لعمرو بن عبد العزيز: قال أبو العباس المبرد: حُدِّثت في بعض الأسانيد أن عمر بن عبد العزيز قال في خطبة له: "أيها
الناس: إنما الدنيا أمل مخترم، وأجل منتقص، وبلاغ إلى دار غيرها، وسير إلى
الموت ليس فيه تعريج، فرحم الله امرأ فكر في أمره، ونصح لنفسه، وراقب ربه،
واستقال ذنبه، ونَوَّر قلبه، أيها الناس: إن أباكم قد أخرج من الجنة بذنب
واحد، وإن ربكم وعد على التوبة، فليكن أحدكم من ذنبه على وجل، ومن ربه على
أمل".