-->
روائع الشعر العربي
404
نعتذر , لا نستطيع ايجاد الصفحة المطلوبة
  • العودة الى الصفحة الرئيسية
  • ‏إظهار الرسائل ذات التسميات روائع الأدب العربي. إظهار كافة الرسائل
    ‏إظهار الرسائل ذات التسميات روائع الأدب العربي. إظهار كافة الرسائل


    قد يقال في أمرين إنهما يجملان بكل أحدٍ: أحدهما النسك والآخر المال الحلال ولا يليق بالعاقل أن يؤنب نفسه على ما فاته وليس في مقدوره؛ فربما أتاح الله ما يهنأ به ولم يكن في حسبانه. ومن أمثال هذا أن رجلاً كان به فاقةٌ وجوعٌ وعريٌ، فألجأه ذلك إلى أن سأل أقاربه أصدقاءه، فلم يكن عند أحد منهم فضل يعود به عليه. فبينما هو ذات ليلةٍ في منزله إذ أبصر بسارقٍ فيه؛ فقال: والله ما في منزلي شيءٌ أخاف عليه: فليجهد السارق جهده. فبينما السارق يجول إذ وقعت يده على خابية فيها حنطةٌ، فقال السارق: والله ما أحب أن يكون عنائي الليلة باطلاً. ولعلي لا أصل إلى موضع آخر، ولكن سأحمل هذه الحنطة. ثم بسط قميصه ليصب عليه الحنطة. فقال الرجل: أيذهب هذا بالحنطة وليس ورائي سواها؟ فيجتمع علي مع العري ذهاب ما كنت أقتات به. وما تجتمع والله هاتان الخلتان على أحدٍ إلا أهلكاه. ثم صاح بالسارق، وأخذ هراوةً كانت عند رأسه؛ فلم يكن للسارق حليةٌ إلا الهرب منه، وترك قميصه ونجا بنفسه؛ وغدا الرجل به كاسياً.
    ليس ينبغي أن يركن إلى مثل هذا ويدع ما يجب عليه من الحذر والعمل في مثل هذا لصلاح معاشه؛ ولا ينظر إلى من تواتيه المقادير وتساعده على غير التماس منه: لأن أولئك في الناس قليلٌ؛ والجمهور منهم من أتعب نفسه في الكد والسعي فيما يصلح أمره وينال به ما أراد

      
     ينبغي للمرء أن يكون حريصا على ما طاب كسبه وحسن نفعه؛ ولا يتعرض لما يجلب عليه العناء والشقاء؛ فيكون كالحمامة التي تفرخ الفراخ وتذبح، ثم لا يمنعها ذلك أن تعود فتفرخ موضعها، وتقيم بمكانها فتؤخذ الثانية من فراخها فتذبح. وقد يقال: إن الله تعالى قد جعل لكل شيءٍ حداً يوقف عليه. ومن تجاوز في أشياء حدها أوشك أن يلحقه التقصير عن بلوغها. ويقال: من كان سعيه لأخرته ودنياه فحياته له وعليه. ويقال في ثلاثة أشياء يجب على صاحب الدنيا إصلاحها وبذل جهده فيها: منها أمر معيشته؛ ومنها ما بينه وبين الناس؛ ومنها ما يكسبه الذكر الجميل بعد. وقد قيل في أمورٍ من كن فيها لم يستقم له عملٌ. من التواني؛ ومنها تضييع الفرص؛ ومنها التصديق لكل مخبرٍ. فرب مخبرٍ بشيءٍ عقله ولا يعرف استقامته فيصدقه.



    ينبغي للعاقل أن يكون لهواه متهماً؛ ولا يقبل من كل أحدٍ حديثاً؛ ولا يتمادى في الخطأ إذا ظهر له خطؤه ولا يقدم على أمرٍ حتى يتبين له الصواب، وتتضح له الحقيقة؛ ولا يكون كالرجل الذي يحيد عن الطريق، فيستمر على الضلال، فلا يزداد في السير إلا جهداً، وعن القصد إلا بعداً؛ وكالرجل الذي تقذى عينه فلا يزال يحكها، وربما كان ذلك الحك سبباً لذهابها. 
    ويجب على العاقل أن يصدق بالقضاء والقدر، ويأخذ بالحزم، ويحب الناس ما يحب لنفسه، ولا يلتمس صلاح نفسه بفساد غيره، فإنه من فعل ذلك كان خليقاً أن يصيبه ما أصاب التاجر من رفيقه.
    فإنه يقال إنه كان رجلٌ تاجرٌ، وكان له شريكٌ، فاستأجرا حانوتاً، وجعلا متاعهما فيه. وكان أحدهما قريب المنزل من الحانوت؛ فأضمر في نفسه أن يسرق عدلاً من أعدال رفيقه؛ ومكر الحيلة في ذلك، وقال: إن أتيت ليلاً لم آمن من أن أحمل عدلاً من أعدالي أو رزمة من رزمي ولا أعرفها؛ فيذهب عنائي وتعبي باطلاً. فأخذ رداءه، وألقاه على العدل الذي أضمر أخذه. ثم انصرف إلى منزله. وجاء رفيقه بعد ذلك ليصلح أعداله، فوجد رداء شريكه على بعض أعداله، فقال: والله هذا رداء صاحبي؛ ولا أحسبه إلا قد نسيه. وما الرأي أن أدعه هاهنا؛ ولكن اجعله على رزمه؛ فلعله يسبقني إلى الحانوت فيجده حيث يحب. ثم أخذ الرداء فألقاه على عدلٍ من أعدال رفيقه ومعه رجلٌ قد واطأه على ما عزم عليه، وضمن له جعلاً على حمله؛ فصار إلى الحانوت؛ فالتمس الإزار في الظلمة فوجده على العدل؛ فاحتمل ذلك العدل؛ وأخرجه هو والرجل، وجعلا يتراوحان على حمله؛ حتى أتى منزله، ورمى نفسه تعباً. فلما أصبح افتقده فإذا هو بعض أعداله؛ فندم أشد الندامة. ثم انطلق نحو الحانوت، فوجد شريكه قد سبقه إليه ففتح الحانوت ووجد العدل مفقوداً: فاغتم لذلك غماً شديداً؛ وقال: واسوءتاه من رفيق صالحٍ قد ائتمنني على ماله وخلفني فيه! ماذا يكون حالي عنده؟ ولست أشك في تهمته إياي. ولكن قد وطنت نفسي على غرامته. ثم أتى صاحبه فوجده مغتماً، فسأله عن حاله؛ فقال إني قد افتقدت الأعدال، وفقدت عدلاً من أعدالك، ولا أعلم بسببه؛ وإني لا أشك في تهمتك إياي؛ وإني قد وطنت نفسي على غرامته. فقال له: يا أخي لا تغتم: فإن الخيانة شر ما عمله الإنسان، والمكر والخديعة لا يؤديان إلى خيرٍ؛ وصاحبهما مغرور أبداً، وما عاد وبال البغي إلا على صاحبه: وكيف كان ذلك؟ فأخبره بخبره، وقص عليه قصته.

     فقال له رفيقه: ما مثلك إلا مثل اللص والتاجر. فقال له: وكيف كان ذلك؟ قال: زعموا أن تاجراً كان له في منزله خابيتان إحداهما مملوءة حنطة، والأخرى مملوءة ذهباً. فترقبه بعض اللصوص زماناً، حتى إذا كان بعض الأيام تشاغل التاجر عن المنزل؛ فتغفله اللص، ودخل المنزل، وكمن في بعض نواحيه. فلما هي بأخذ الخابية التي فيها الدنانير أخذ التي فيها الحنطة، وظنها التي فيها الذهب؛ ولم يزل في كدٍ وتعبٍ حتى أتى بها منزله فلما فتحها وعلم ما فيها ندم. قال له الخائن: ما أبعدت المثل، ولا تجاوزت القياس؛ وقد اعترفت بذنبي وخطئي عليك، وعزيز علي أن يكون هذا كهذا. غير أن النفس الرديئة تأمر بالفحشاء. فقبل الرجل معذرته، وأضرب عن توبيخه وعن الثقة به؛ وندم هو عندما عاين من سوء فعله وتقديم جهله.


    قام عمرو بن معد يكرب الزبيدي، فقال:
    "إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه؛ فبلاغ المنطق الصواب، وملاك النجعة1 الارتياد، وعفو الرأي خير من استكراه الفكرة، وتوقيف الخبرة خير من اعتساف الحيرة، فاجتبذ2 طاعتنا بلفظك، واكتظم بادرتنا بحلمك، وألن لنا كنفك يسلس لك قيادنا، وإنا أناس يوقس3 صفاتنا قراع مناقير4 من أراد لنا قضمًا5، ولكن منعنا حمانا من كل رام لنا هضمًا".



    1النجعة: طلب الكلأ في موضعه.
    2 اجتذب.
    3 الوقس: انتشار الجرب في البدن، والتوقيس: الإجراب، أي لم يخدش صفاتنا ويؤثر فيها.
    4 جمع منقار، وهو حديد كالفأس ينقر بها.
    5 أصله الأكل بأطراف الأسنان.



    اللسان المرقع

    قال صاحب سر "م" باشا: جاء "حضرة صاحب السعادة" فلان لزيارة الباشا؛ وهو رجل مصري ولد في بعض القرى، ما نعلم أن الله "تعالى" ميزه بجوهر غير الجوهر، ولا طبع غير الطبع، ولا تركيب غير التركيب، ولا زاد في دمه نقطة زهو، ولا وضعه موضع الوسط بين فنين من الخليقة. غير أنه زار فرنسا، وطاف بإنجلترا، وساح في إيطاليا، وعاج على ألمانيا، ولون نفسه ألوانا، فهو مصري ملون. ومن ثم كان لا يرى في بلاده وقومه إلا الفروق بين ما هنا وبين ما هناك. فما يظهر له دين قومه إلا مقابلا لشهوات أحبها وغامر فيها، ولا لغة قومه إلا مقرونة بلغة أخرى ود لو كان من أهلها، ولا تاريخ قومه إلا مغمى عليه كالميت بين تواريخ الأمم.
    هو كغيره من هؤلاء المترفين المنعمين: مصري المال فقط، إذ كانت أسبابهم ومستغلاتهم في مصر؛ عربي الاسم لا غير، إذ كانت أسماؤهم من جناية أهليهم بالطبيعة؛ مسلم ما مضى دون ما هو حاضر؛ إذ كان لا حيلة في أنسابهم التي انحدروا منها.
    هو كغيره من هؤلاء المترفين المنعمين المفتونين بالمدنية, لكل منهم جنسه المصري ولفكره جنس آخر.
    قال: وكان حضرة صاحب السعادة يكلم الباشا بالعربية التي تلعنها العربية، مرتفعا بها عن لغة الفصيح ارتفاعا منحطا ... نازلا بها عن لغة السوقة نزولا عاليا ... فكان يرتضخ لكنة أعجمية، بينا هي في بعض الألفاظ جرس عال يطن، إذا هي في لفظ آخر صوت مريض يئن، إذا هي في كلمة ثالثة نغم موسيقى يرن. ورأيته يتكلف نسيان بعض الجمل العربية ليلوي لسانه بغيرها من الفرنسية، لا تطرفا ولا تملحا ولا إظهارًا لقدرة أو علم، ولكن استجابة للشعور الأجنبي الخفي المتمكن في نفسه. فكانت وطنية عقله تأبى إلا أن تكذب وطنية لسانه، وهو بإحداهما زائف على قومه، وبالأخرى زائف على غير قومه.
    فلما انصرف الرجل قال الباشا: أف لهذا وأمثال هذا! أف لهم ولما يصنعون! إن هذا الكبير يلقبونه "حضرة صاحب السعادة"، ولأشرف منه -والله- رجل قروي ساذج يكون لقبه "حضرة صاحب الجاموسة" ... نعم إن الفلاح عندنا جاهل علم، ولكن هذا أقبح منه جهلا، فإنه جاهل وطنية.
    ثم إن الجاموسة وصاحبها عاملان دائبان مخلصان للوطن؛ فما هو عمل حضرة "صاحب اللسان المرقع" هذا؟ إن عمله أن يعلن برطانته الأجنبية أن لغة وطنه ذليلة مهينة، وأنه متجرد من الروح السياسي للغة قومه؛ إذ لا يظهر الروح السياسي للغة ما، إلا في الحرص عليها وتقديمها على سواها.
    كان الواجب على مثل هذا ألا يتكلم في بلاده إلا بلغته، وكان الذي هو أوجب أن يتعصب لها على كل لغة تزاحمها في أرضها، فترك هذا وهذا وكان هو المزاحم بنفسه؛ فهو على أنه "حضرة صاحب سعادة"، لا ينزل نفسه من اللغة القومية إلا منزلة خادم أجنبي في حانة.
    أتدري ما هو سر هؤلاء الكبراء وهؤلاء السراة الذين يطمطمون إذا تكلموا فيما بينهم؟ أنهم عندنا طبقات:
    أما واحدة: فإنهم يصنعون هذا الصنيع منجذبين إلى أصل راسخ في طباعهم، مما تركه الظم والاستبداد والحمق في زمن الحكم التركي؛ فهم يبدون جوهر نفوسهم لأعينهم وأعين الناس، كأنه اللغة الأجنبية فيما بينهم علامة الحكم والسلطة واحتقار الشعب واستمرار ذلك الحمق في الدم ... وهم بها يتنبلون.
    وأما طبقه، فإنهم يتكلفون هذا مما في نفوسهم من طباع أحدثها النفاق والخضوع والذل السياسي في عهد الاحتلال الإنجليزي؛ فاللغة الأجنبية بينهم تشريف واعتبار، كأنهم بها من غير الشعب المحكوم الذي فقد السلطة، وهم بها يتمجدون.
    وأما جماعة، فإنهم يتعمدون هذا يريدون به عيب اللغة العربية وتهجينها، إذ اتخذوا من عداوة هذه اللغة طريقة انتحلوها ومذهبا انتسبوا إليه، وفيهم العالم بعلوم أوروبا، والأديب بأدب أوروبا؛ وذلك من عداوتهم للدين الإسلامي، إذ جعل هذه اللغة حكومة باقية في بلادهم مع كل حكومة وفوق كل حكومة؛ وهم يزدرون هذا الدين ويسقطون عن أنفسهم كل واجباته. وهؤلاء قد خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، إذ يغلون في مصريتهم غلوا قبيحا ينتهي بهم إلى سفه الآراء، وخفة الأحلام، وطيش النزعات، فيما يتصل بالدين الإسلامي وآدابه ولغته. وما أرى الواحد منهم إلا قد غطى وصفه من حيث هو رقيع، على وصفه من حيث هو عالم أو أديب أو ما شاء. إن هذا لمقت {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 35] .
    ومن أثر تلك الفئات الثلاث نشأت فئة رابعة، تحول فيهم ذلك الخلط من الكلام إلى طريقة نفسية في النفس؛ فهم يقحمون في كتابتهم وحديثهم الكلمات الأجنبية، ويحسبون عملهم هذا تظرفا ومعابثة ومجونا، على أنه هو الذي يظهر لعين البصير مواضع القطع التاريخي في نفوسهم، وأماكن الفساد القومي في طبيعتهم، وجهات التحلل الديني في اعتقادهم، وهؤلاء يكتب أحدهم: "النرفزة" وهو قادر أن يقول الغضب, "والفلير" وهو مستطيع أن يجعل في مكانها المغازلة، "وسكالنس" وهو يعرف لفظة أنواع وألوان، وهكذا وهكذا؛ ولا -والله- أن تكون المسافة بين اللفظين إلا المسافة بعينها بين قلوبهم ورشد قلوبهم.
    وما برح التقليد السخيف لا يعرف له بابا يلج منه إلى السخفاء إلا باب التهاون والتسامح؛ ونحن قوم ابتلينا بتزوير العيوب على أنفسنا وعدها في المحاسن والفضائل، من قلة ما فينا من الفضائل والمحاسن، وبهذه الطبيعة المعكوسة نحاول أن نقتبس من مزايا الأوروبيين، فلا نأخذ أكثر ما نأخذ إلا عيوبهم، إذ كانت هي الأسهل علينا، وهي الأشكل بطبعنا الضعيف المتسامح المتهاون.
    ومن هذا تجد مشاكلنا الاجتماعية -على أنها أهون وأيسر من مشاكل الأوروبيين، وعلى أن في ديننا وآدابنا لكل مشكلة حلها- تجدها هي علينا أصعب وأشد، لأننا ضعفاء ومتخاذلون ومقلدون ومفتونون، وكل ذلك من شيء واحد, وهو أن أكثر كبرائنا هم أكبر بلائنا.
    قال صاحب السر: ثم ضحك الباشا ضحكته الساخرة وقال: كيف تصنع أمة يكون أكثر العاملين هم أكبر العاطلين، إذ يعملون ولكن بروح غير عاملة.





    ساكنوا الثياب

    قال صاحب سر "م" باشا: وجاءني يوما اثنان من شيوخ الدين من ذوي هيئاتهم وأصحاب المنزلة فيهم، كلاهما هامة وقامة، وجبة وعمامة، ودرجة من الإمامة؛ ولهما نسيم ينفخ عطرا حسبته من ترويح أجنحة الملائكة؛ وعليهما من الوقار كظل الشجرة الخضراء في لهب الشمس تفيء به يمنة ويسرة، فتوجهت إليهما بنظري، وأقبلت عليهما بنفسي، ووضعت حواسي كلها في خدمتهما؛ وقلت: هؤلاء هم رجال القانون الذي مادته الأولى القلب.
    ما أسخف الحياة لولا أنها تدل على شرفها وقدرها ببعض الأحياء الذين نراهم في عالم التراب كأن مادتهم من السحب، فيها لغيرهم الظل والماء والنسيم، وفيها لأنفسهم الطهارة والعلو والجمال؛ يثبتون للضعفاء أن غير الممكن ممكن بالفعل، إذ لا يرى الناس في تركيب طباعهم إلا الإخلاص وإن كان حرمانًا، وإلا المروءة وإن كانت مشقة، وإلا محبة الإنسانية وإن كانت ألما، وإلا الجد وإن كان عناء، وإلا القناعة وإن كانت فقرًا.
    هؤلاء قوم يؤلفون بيد القدرة، فهم كالكتب قد انطوت على حقائقها وختمت كما وضعت، لا تستطيع أن تخرج للناس من حقيقة نصف حقيقة ولا شبه حقيقة ولا تزويرا على حقيقة.
    وما أعجب أمر هذه الحياة الإنسانية القائمة على النواميس الاقتصادية! فالسماء نفسها تحتاج فيها إلى سماسرة لعرض الجنة على الناس بالثمن الذي يملكه كل إنسان وهو العمل الطيب.
    قال: ونظرت إلى الشيخين على اعتبار أنهما من بقية النبوة العاملة فيها شريعة نفسها. تلك الشريعة التي لا تتغير ولا تتبدل كيلا يتغير الناس ولا يتبدلوا. ثم سألتهما عن حاجتهما، فإذا أحدهما قد عمل أبياتا من الشعر جاء يمدح بها الباشا ليزدلف إليه؛ فقلت في نفسي: "ما أشبه حجل الجبال بألوان صخرها! " هذا عالم دنيا يحدها من الشرق الرغيف، ومن الغرب الدينار، ومن الشمال الجاه، ومن الجنوب الشيطان.(مثل عربي، والحجل: الطائر المعروف، يكون في الجبل من لون صخره للعلة المقررة في التاريخ الطبيعي).
    ثم نشر ورقة في يده وأخذ يسرد على القصيدة، وهي على روي الهاء، وتنتهي أبياتها: ها. ها. ها. فكان يقرؤها شعرًا -أو كما يسميه هو شعرًا- وكنت أسمعها أنا قهقهة من الشيطان الذي ركب أكتاف هذا العالم الديني: ها. ها. ها. ها ...
    قال صاحب السر: وأدخلتهما على الباشا، فوقف المداح يمدح بقصيدته، وأخذت لحيته الوافرة تهتز في إنشاده كأنها منفضة ينفض بها الملل عن عواطف الباشا ... وكان للآخر صمت عامل في نفسه كصمت الطبيعة حين تنفطر البذرة في داخلها، إذ كانت الحاجة حاجته هو، وإنما جاء بصاحبه رافدا وظهيرًا يحمل الشمس والقمر والليث والغيث، لتتقلب الأشياء حول الممدوح فيأخذه السحر، فيكون جواب الشمس على هذه اللغة أن تضيء يوم الشيخ، وجواب القمر أن يملأ ظلامه، وجواب الليث أن يفترس عدوه، وجواب الغيث أن يهطل على أرضه.
    والباشا لا يدع ظرفه ودعابته، وكان قد لمح في أشداق العالم المتشاعر أسنانا صناعية، فلما فرغ من نظمه الركيك قال له: يا أستاذ، أحسبني لا أكون إلا كاذبا إذا قلت لك: لا فض فوك.
    ثم ذكر الآخر حاجته: وهي رجاؤه أن يكون عمدة القرية من ذوي قرابته لا من ذوي عداوته. فقال له الباشا: ولقريتكم أيضًا أبو جهل؟
    ولما انصرفا قال لي الباشا: لأمر ما جعل هؤلاء القوم لأنفسهم زيا خاصا يتميزون به في الناس، كأن الدين باب من التحرف والتصرف، بعض آلته في ثيابه؛ فهؤلاء يسكنون الجبب والقفاطين وكأنها دواوينهم لا ثيابهم ...
    قد أفهم لهذا معنى صحيحًا إذا كان كل رجل منهم محصورًا في واجبات عمله كالجندي في معاني سلاحه، فيكون التعظيم والتوقير لثوب العالم الديني كأداء التحية للثوب العسكري: معناه أن في هذا الثوب عملا ساميا أوله بيع الروح وبذل النفس وترك الدنيا في سبيل المجتمع؛ هذا ثوب الموت يفرض على الحياة أن تعظمه وتجله، وثوب الدفاع تجب له الطاعة والانقياد، وثوب القوة ليس له إلا المهابة والإعزاز في الوطن.
    ولكن ماذا تصنع الجبة اليوم؟ إنها تطعم صاحبها ...
    أثر الجيش معروف في دفاع الأمم العدوة عن البلاد، فأين أثر جيش العلماء في دفاع المعاني العدوة عن أهل البلاد، وقد احتلت هذه المعاني وضربت وتملكت وتركت هذا العالم الديني في ثوبه كالجندي المنهزم؛ يحمل من هزيمته فضيحة ومن ثوبه فضيحة أخرى؟
    أنت يا بني قد رأيت "الشيخ محمد عبده" وعرفته؛ فرحم الله هذا الرجل، ما كان أعجب شأنه! لكأنه -والله- سحابة مطوية على صاعقة, ولو قلت إنه قد كان بين قلبه ورأسه طريق لبعض الملائكة. لأشبه أن يكون هذا قولا.
    كان يزورني أحيانا فأراني مرغما على أن أقدم له مجلسين أحدهما قلبي. وكان له وجه يأمر أمرًا، إذ لا تراه إلا شعرت به يرفعك إلى حقيقة سامية.
    رجل نبت على أعراق فيها إبداع المبدع العظيم الذي هيأه لرسالته، فعواصفه كالعطر في شجرة العطر الشذية، وشمائله كجمال السماء في زرقة السماء الصافية، وعظمته كروعة البحر في منظر البحر الصاخب. وكثيرا ما كان يتعجب من هذا أستاذه "السيد جمال الدين الأفغاني" فيسأله مندهشا: بالله قل لي: ابن أي ملك أنت؟
    لم يكن ابن ملك ولا ابن أمير، ولكنه ابن القوات الروحية العاملة في هذا الكون؛ فهي أعدته، وهي ألهمته، وهي أنطقته، وهي أخرجته في قومه إعلانا غير كتمان، ومصارحة غير مخادعة، وهي جعلت فيه أسدية الأسد، وهي ألقت في كلامه تلك الشهوة الروحية التي تذاق وتحب، كالحلاوة في الحلوى.
    هذا هو العالم الديني: لا بد أن يكون ابن القوات الروحية، لا ابن الكتب وحدها، ولا بد أن يخرج بعمله إلى الدنيا، لا أن يدخل الدنيا تحت سقف الجامع ...
    وأنا فما ينقضي عجبي من هؤلاء العلماء الذين هم بقايا تتضاءل بجانب الأصل، يبحثون في سنن النبي صلى الله عليه وسلم: كيف كان يأكل ويشرب ويلبس ويمشي ويتحدث؛ كأنهم من الدنيا في قانون المائدة، وآداب الولائم، ورسوم المجتمعات؛ أما تلك الحقيقة الكبرى، وهي كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يقاتل ويحارب لهداية الخلق، وكيف كان يسمو على الدنيا وشهواتها؟ وكيف كان بطباعه القوية الصريحة تعديلا فعالا في هذه الإنسانية للنواميس الجائزة؟ وكيف كان يحمل الفقر ليكسر به شرة النواميس الاقتصادية التي تقضي بجعل الأخلاق أثرا من آثار السعة والضيق، فتخرج من الغني متعففا ومن الفقير لصا؟ وكيف استطاع صلى الله عليه وسلم بفقره السامي أن يحول معنى الغنى في نفوس أصحابه، فيجعله ما استغنى عنه الإنسان من شهوات الدنيا وترك، لا ما نال منها وجمع؟ أما هذا ونحوه من حقائق النبوة العاملة في تنظيم الحياة، فقد أهملوه، إذ هو لا يوجد في الكتب وشروحها وحواشيها، ولكن في الحياة وأثقالها وأكدارها؛ وبذلك أصبح شيوخنا من الأمة في مواضع لم يضعهم فيها الدين ولكن وضعتهم فيها الوظيفة.
    ألا ليتهم يكتبون على أبواب الأزهر هذه الحكمة: سئل بعض العرب: بم ساد فلان فيكم؟ قالوا: احتجنا إلى عمله واستغنى عن دنيانا ...





    قلت لنفسي وقالت لي 

    قلت لنفسي: ويحك يا نفس! ما لي أتحامل عليك؛ فإذا وفيت بما في وسعك أردت منك ما فوقه وكلفتك أن تسعي؛ فلا أزال أعنتك من بعد كمال فيما هو أكمل منه، وبعد الحسن فيما هو الأحسن؛ وما أنفك أجهدك كلما راجعك النشاط، وأضنيك كلما ثابت القوة؛ فإن تكن لك هموم فأنا أكبرها، وإذا ساورتك الأحزان فأكثرها مما أجلب عليك.
    أنت يا نفس سائرة على النهج، وأنا أعتسف بك أريد الطيران لا السير، وأبتغي عمل الأعمار في عمر، وأستحثك من كل هجعة راحة بفجر تعب جديد، وكأني لك زمن يماد بعضه بعضا، فما يبرح ينبثق عليك من ظلام بنور ومن نور بظلام؛ ليهيئ لك القوة التي تمتد بك في التاريخ، من بعد، فتذهبين حين تذهبين ويعيش قلبك في العالم ساريا بكلمات أفراحه وأحزانه.
    وقالت لي النفس: أما أنا فإني معك دأبا كالحبيبة الوفية لمن تحبه؛ ترى خضوعها أحيانا هو أحسن المقاومة؛ وأما أنت فإذا لم تكن تتعب ولا تزال تتعب فكيف تريني أنك تتقدم ولا تزال تتقدم؟
    ليست دنياك يا صاحبي ما تجده من غيرك، بل ما توجده بنفسك؛ فإن لم تزد شيئا على الدنيا كنت أنت زائدًا على الدنيا؛ وإن لم تدعها أحسن مما وجدتها فقد وجدتها وما وجدتك؛ وفي نفسك أول حدود دنياك وآخر حدودها. وقد تكون دنيا بعض الناس حانوتًا صغيرًا، ودنيا الآخر كالقرية الململمة2، ودنيا بعضهم كالمدينة الكبيرة؛ أما دنيا العظيم فقارة بأكملها، وإذا انفرد امتد في الدنيا فكان هو الدنيا.
    والقوة يا صاحبي تغتذي بالتعب والمعاناة؛ فما عانيته اليوم حركة من جسمك، ألفيته غدًا في جسمك قوة من قوى اللحم والدم. وساعة الراحة بعد أيام من التعب، هي في لذتها كأيام من الراحة بعد تعب ساعة. وما أشبه الحي في هذه الدنيا ووشك وانقطاعه منها، بمن خلق ليعيش ثلاثة أيام معدودة عليه ساعتها ودقائقها وثوانيها؛ أفتراه يغفل فيقدرها ثلاثة أعوام، ويذهب يسرف فيها ضروبا من لهوه ولعبه ومجونه، إلا إذا كان أحمق أحمق إلى نهاية الحمق؟
    اتعب تعبك يا صاحبي، ففي الناس تعب مخلوق من عمله، فهو لين هين مسوى تسوية؛ وفيهم تعب خالق عمله، فهو جبار متمرد له القهر والغلبة، وأنت إنما تكد لتسمو بروحك إلى هموم الحقيقة العالية، وتسمو بجسمك إلى مشقات الروح العظيمة؛ فذلك يا صاحبي ليس تعبا في حفر الأرض، ولكنه تعب في حفر الكنز.
    اتعب يا صاحبي تعبك؛ فإن عناء الروح هو عمرها؛ فأعمالك عمرك الروحاني، كعمر الجسم للجسم؛ وأحد هذين عمر ما يعيش، والآخر عمر ما سيعيش.
    قلت لنفسي: فقد مللت أشياء وتبرمت بأشياء. وإن عمل التغيير في الدنيا لهو هدم لها كلما بنيت، ثم بناؤها كلما هدمت؛ فما من شيء إلا هو قائم في الساعة الواحدة بصورتين معا؛ وكم من صديق خلطته بالنفس يذهب فيها ذهاب الماء في الماء، حتى إذا مر يوم، أو عهد كاليوم, رأيت في مكانه إنسانًا خياليا كمسألة من مسائل النحاة فيها قولان ... ! فهو يحتمل في وقت واحد تأويل ما أظن به من خير، وما أتوقع به من شر! وكم من اسم جميل إذا هجس في خاطري قلت: آه، هذا الذي كان ... !
    اما -والله- إن ثياب الناس لتجعلهم أكثر تشابها في رأي النفس، مما تجعلهم وجوههم التي لا تختلف في رأي العين, وإني لأرى العالم أحيانا كالقطار السريع منطلقا بركبه وليس في من يقوده، وأرى الغفلة المفرطة قد بلغت من هذا الناس مبلغ من يظن أنه حي في الحياة كالموظف تحت التجربة، فإذا قضى المدة قيل له: ابدأ من الآن. كأنه إذا عاش يتعلم الخير والشر، ويدرك ما يصلح وما لا يصلح، وانتهى من عمره إلى النهاية المحدودة رجع من بعدها يعيش منتظما على استواء واستقامة، وفي إدراك وتمييز. مع أن الخرافة نفسها لم تقبل قط أن يعد منها في أوهام الحياة أن رجلا بلغ الثمانين أو التسعين وحان أجله فأصبحوا لم يجدوه ميتا في فراشه؛ بل وجدوه مولودًا في فراشه ... !
    وقالت لي النفس: وأنت ما شأنك بالناس والعالم؟ يا هذا ليس لمصباح الطريق أن يقول: "إن الطريق مظلم" إنما قوله إذا أراد كلاما أن يقول: "ها أنذا مضيء".
    والحكيم لا يضجر ولا يضيق ولا يتململ، كما أنه لا يسخف ولا يطيش ولا يسترسل في كذب الوهم؛ فإن هذا كله أثر الحياة البهيمية في هذه البهيمة الإنسانية، لا أثر الروح القوية في إنسانها، والحيوان هو الذي يجوع ويشبع لا النفس, وبين كل شيئين مما يعتور الحيوانية -كالخلو والامتلاء، واللذة والألم- تعمل قوى الحيوان أشياءها الكثيرة التي تتسلط بها على النفس، لتحطها من مرتبة إلى أن تجعلها كنفوس الحيوان؛ ولهذا كان أول الحكمة ضبط الأدوات الحيوانية في الجسم، كما توضع اليد العالمة على مفاتيح القطار المنطلق يتسعر مرجله ويغلي.
    اعمل يا صاحبي عملك؛ فإذا رأيت في العاملين من يضجر فلا تضجر مثله، بل خذ اطمئنانه إلى اطمئنانك، ودعه يخلو وتضاعف أنت.
    إنه ليوشك أن يكون في الناس "كالبنوك"؛ هذه مستودعات للمال تحفظه وتخرج منه وتثمره، وتلك مستودعات للفضائل تحفظها وتخرج منها وتزيدها، إفلاس رجل من أهل المال، هو إطلاق النكبة مسدسها على رجل تقتله؛ ولكن إفلاس "بنك" هو إطلاق النكبة مدفعها الكبير على مدينة تدمرها.
    قلت لنفسي: فما أشد الألم في تحويل هذا الجسد إلى شبه روح مع الروح! تلك هي المعجزة التي لا توجد في غير الأنبياء، ولكن العمل لها يجعلها كأنها موجودة. والأسد المحبوس محبوسة فيه قوته وطباعه؛ فإن زال الوجود الحديدي من حوله أو وهنت ناحية منه، انطلق الوحش، والرجل الفاضل فاضل ما دام في قفصه الفكري, وهو ما دام في هذا القفص فعليه أن يكون دائما نموذجا معروضا للتنقيح الممكن في النفس الإنسانية؛ تصيبه السيئة من الناس لتختبر فيه الحسنة، وتبلوه الخيانة لتجد الوفاء، ويكرثه البغض ليقابله بالحبن وتأتيه اللعنة لتجد المغفرة؛ وله قلب لا يتعب فيبلغ منزلة إلا التعب ليبلغ منزلة أعلى منها، وله فكر كلما جهد فأدرك حقيقة كانت الحقيقة أن يجهد فيدرك غيرها.
    وقالت لي النفس: إن من فاق الناس بنفسه الكبيرة كانت عظمته في أن يفوق نفسه الكبيرة؛ إن الشيء النهائي لا يوجد إلا في الصغائر والشر، أما الخير والكمال وعظائم النفس والجمال الأسنى، فهذه حقائق أزلية وجدت لنفسها؛ كالهواء يتنفسه كل الأحياء على هذه الأرض ولا ينتهي، ولا يعرف أين ينتهي؛ وكما ينبعث النور من الشمس والكواكب إلى هذه الأرض يشبه أن تكون تلك الصفات منبعثة إلى النفوس من أنوار الملائكة، وبهذا كان أكبر الناس حظا منهم هم الأنبياء المتصلين بتلك الأنوار.
    ومن رحمة الله أن جعل في كل النفوس الإنسانية أصلا صغيرًا يجمع فكرة الخير والكمال وعظائم النفس والجمال الأسنى، وقد تعظم فيه هذه الصفات كلها أو بعضها، وقد تصغر فيه بعضها أو كلها: ألا وهو الحب.
    لا بد أن تمر كل حياة إنسانية في نوع من أنواع الحب، من رقة النفس ورحمته، إلى هوى النفس وعشقها.
    وإذا بلغ الحب أن يكون عشقا، وضع يده على المفاتيح العصبية للنفس، وفتح للعظائم والمعجزات أبوابها؛ حتى أنه ليجعل الخرافة الفارغة معجزة دقيقة ويملأ الحياة بمعان لم تكن فيها من قبل، ويصبح سر هذا الحب لا ينتهي؛ إذ هو سر لا يدرك ولا يعرف.
    اجهد جهدك يا صاحبي، فما هو قفصك الفكري ذلك الشعاع الذي يحبسك، ولكنه صقل النفس لتتلقى الأنوار، ولا بد للمرآة من ظاهر غير ظاهر الحجر لتكون به مرآة.
    قلت لنفسي: فما أشده مضضا أعانيه! إن أمري ليذهب فرطًا1. أكلما ابتغيت من الحياة مرحا أطرب له وأهتز، جاءتني الحياة بفكرة أستكد فيها وأدأب؟ أهذا السرور الذي لا يزال يقع بين الناس هو الذي لا يكاد يقع لي؟ وهل أنا شجرة في مغرسها: تنمو صاعدة بفروعها، ونازلة بجذورها, غير أنها لا تبرح مكانها؟ أو أن تمثال على قاعدته: لا يتزحزح عنها إلا ساعة لا يكون تمثالا، ولا يدعها حتى تدعه معاني العظمة التي نصب لها؟
    قالت لي النفس: ويحك! لا تطلب في كونك الصغير ما ليس فيه؛ إن الناس لو ارتفعوا إلى السماء وتقلبوا فيها كما يسيح أهل قارة من الأرض في قارة غيرها،وابتغوا أن يحملوا معهم مما هناك تذكارًا صغيرًا إلى الأرض, لوجدوا أصغر ما هنالك أكبر من الأرض كلها؛ فأنت سائح في سماوات.
    أنت كالنائم: له أن يرى وليس له أن يأخذ شيئا مما يرى إلا وصفة، وحكمته، والسرور بما التذ منه، والألم بما توجع له.
    لن تكون في الأرض شجرة برجلين تذهب هنا وهناك، ولكن الشجرة ترسل أثمارها يتناقلها الناس، وهي تبدع الثمار إبداع المؤلف العبقري ما يؤلفه بأشد الكد وأعظم الجهد، مطلقة ضميرها في الفكرة الصغيرة، تعقدها شيئا شيئا، ثم تعود عليها بالزيادة، ولا تزال كل وقت تعود عليها حتى تستفرغ أقصى القوة؛ ثم يكون سرورها في أن تهب فائدتها، لأنها لذلك وجدت.
    إن في الشجرة طبيعية صادقة لا شهوة مكذوبة؛ فالحياة فيها على حقيقتها، وأكثر ما تكون الحياة في الإنسان على مجازها؛ وشرط المجاز الخيال والمبالغة والتلوين؛ ولكن متى اختار الله رجلا فأقر فيه سرا من أسرار الطبيعة الصادقة، ووهب له العاطفة القادرة التي تصنع ثمارها -فقد غرسه شجرة في منبتها لا مفر ولا مندوحة، وقد يخيل له ضعف طبيعته البشرية أحيانا أن نضرة المجد التي تعلوه وتتألق كشعاع الكوكب، هي تعبه وضجره، أو أثر انخذاله وألمه ومسكنته؛ وهذا من شقاء العقل؛ فإنه دائما يضيف شيئا إلى شيء, ويخلط معنى بمعنى، ولا يترك حقيقة على ما هي؛ كأن فيه ما في الطفل من غريزة التقليد؛ والعقل لا يرى أمامه إلا الإلهية، فهو يقلدها في مداخلة الأشياء بعضها في بعض، لإيجاد الأسرار بعضها من بعض.
    ومن ثم كانت الحقيقة الصريحة الثابتة مدعاة للملل العقلي في الإنسان، لا يكاد يقيم عليها أو يتقيد بها، فما نال شيئا إلا ليطمع في غيره، وما فاز بلذة إلا ليزهد فيها، وأجل ما أحبه الإنسان أن يناله، فإذا ناله وقع فيه معنى موته، وبدأ في النفس عمرا آخر من حالة أخرى، أو مات لم يبدأ؛ فلا بد لهذا الإنسان مع كل صواب من جزء من الخطأ، فإن هو لم يجد خطأ في شيء ائتفك لنفسه1 الخطأ المضحك في شبه رواية خيالية.
    إنه لشعر سخيف بالغ السخافة أن يتخيل الغريق مفكرًا في صيد سمكة رآها ... ولكن هذا من أبلغ البلاغة عند العقل الذي يبحث عن وهم يضيفه إلى هذه الحقيقة ليضحك منها، كما يبحث لنفسه أحيانا في أجمل حقائق اللذة عن ألم يتألم به ليعبس فيه!
    قلت لنفسي: فهل ينبغي لي أن أحرق دمي لأني أفكر, وهل أظل دائما بهذا التفكير كالذي ينظر في وجه حسناء بمنظار مكبر؛ لا يريه ذلك الوجه المعشوق إلا ثقوبا وتخريما كأنه خشبة نزعت منها مسامير غليظة ... ! فلا يجد المسكين هذه الحقيقة إلا ليفقد ذلك لجمال؟ وهل بد من الشبه بين بعض الناس وبين ما ارتصد له من عمل يحيا به؛ فلا يكون الحوذي حوذيا إلا لشبه بين نفسه وبين الخيل والبغال والحمير؟
    وقالت لي النفس: إن فأس الحطاب لا تكون من أداة الطبيب؛ فخذ لكل شيء أداته، وكن جاهلا أحيانا، ولكن مثل الجهل الذي يصنع لوجه الطفل بشاشته الدائمة، فهذا الجهل هو أكبر علم الشعور الدقيق المرهف، ولولاه لهلك الأنبياء والحكماء والشعراء غما وكمدا، ولكانوا في هذا الوجود، على هذه الأرض، بين هذه الحقائق, كالذي قيد وحبس في رهج تثيره القدم والخف والحافر, لا يتنفس إلا الغبار يثار من حوله إلى أن يقضى عليه.
    اجهل جهلك يا صاحبي في هذه الشهوات الخسيسة؛ فإنها العلم الخبيث الذي يفسد الروح، واعرف كيف تقول لروحك الطفلة في ملائكيتها حين تساورك الشهوات, هذا ليس لي؛ هذا لا ينبغي لي.
    إن الروح الكبيرة هي في حقيقتها الطفل الملائكي.
    وعلم خسائس الحياة يجعل للإنسان في كل خسيسة نفسا تتعلق بها، فيكون المسكين بين نفسين وثلاث وأربع، إلى ثلاثين وأربعين كلهن يتنازعنه، فيضيع بهذه الكثرة, ويصبح بعضه بلاء على بعض، وتشغله الفضول، فيعود لها كالمزبلة لما ألقي فيها، ويمحق في نفسه الطبيعية حس الفرح بجمال الطبيعة، كما يمحق في المزبلة معنى النظافة ومعنى الحس بها.
    هذه الأنفس الخيالية في هذا الإنسان المنكود، هي الأرواح التي ينفخها في مصائبه، فتجعلها مصائب حية تعيش في وجوده وتعمل فيه أعمالها، ولولاها لماتت في نفسه مطامع كثيرة، فماتت له مصائب كثيرة.
    انظر بالروح الشاعرة، تر الكون كله في سمائه وأرضه انسجاما واحدا ليس فيه إلا الجمال والسحر وفتنة الطرب، وانظر بالعقل العالم, فلن ترى في الكون كله إلا مواد علم الطبيعة والكيمياء.
    ومدى الروح جمال الكون كله؛ ومدى العقل قطعة من حجر، أو عظمة من حيوان، أو نسيجة من نبات، أو فلذة من معدن، وما أشبهها.
    اجهل جهلك يا صاحبي؛ ففي كل حسن غزل بشرط ألا تكون العاشق الطامع، وإلا أصبت في كل حسن هما ومشغلة!
    قلت لنفسي: إلى الآن لم أقل لك ذلك المعنى الذي كتمته عنك.
    وقالت لي النفس: وإلى الآن لم أقل لك إلا جواب ذلك الذي كتمته عني.


    الكوخ والقصر

    أنا إن كنت حاسدا أحدا على نعمة فإني أحسد صاحب الكوخ على كوخه قبل أن أحسد صاحب القصر على قصره، ولولا أن للأوهام سلطانا على النفوس لما سجد الفقراء بين أيدي الأغنياء، ولا ورم أنف الأغنياء أن يتخذهم الفقراء أربابا من دون الله.
    أنا لا أغبط الغني على غناه إلا في موطن واحد من مواطنه, فأغبطه إن رأيته يشبع الجائع ويواسي الفقير ويعود بالفضل من ماله على اليتيم الذي سلبه الدهر أباه والأرملة التي فجعها القدر في عائلها ويمسح بيده دمعة البائس والمحزون؛ ثم أرثي له بعد ذلك في جميع مواطنه الأخرى.
    أرثي له إن رأيته يتربص بالفقير وقوع الضائقة به ليدخل عليه مدخل الشيطان من قلب الإنسان, فيمتص الثمالة الباقية له من ماله ليسد في وجهه باب الأمل، وأرثي له إن رأيته يعتقد أن المال هو منتهى الكمال الإنساني, فيرغب عن الفضائل والكمالات؛ لأنه يظن أنه قد كفي مئونة السعي إليها، وأرثي له وأبكي على عقله إن مشى الخيلاء، وطاول بعنقه السماء، وسلم بإيماء الطرف وإشاره الكف، ومشى في طريقه يخزر عينيه خزرا ليرى هل سجد الناس لمشيته، أو صعقوا من هيبته، وأرحمه الرحمة كلها إن عاش شحيحا مقترا على نفسه وعياله, بغيضا إلى قومه وأهله, ينقمون عليه حياته ويستبطئون أجله.
    أما الفقير فهو عندي أسعد الناس عيشا, وأروحهم بالا إلا إذا كان جاهلا ضعيفا مخدوعا يملك الوهم عليه مشاعره, فيظن أن الغني أسعد منه حظا وأرغد عيشا وأثلج صدرا, فيحسده على تلك السعادة التي يزعمها له, فيجلس في كسر بيته جلسة الكئيب المحزون يصعد الزفرة فالزفرة، ويرسل الدمعة أثر الدمعة، ولولا جهله وضعف قلبه لعلم أن رُبَّ صاحب قصر باذخ يتمنى كوخ الفقير وعيشه, ويرى أن ذلك السراج من الزيت أسطع ذبالا وأكثر لألاء من أنوار الشموع وباقات الكهرباء التي تأتلق بين يديه, وأن تلك الحشية من الأديم أو الوبر أنعم ملمسا وألين مضجعا من وسائد الحرير, ونضائد الديباج.
    لقد بلغ التسفل وضعف النفس بكثير من الناس أنهم يحفلون بشأن الأغنياء؛ لأنهم أغنياء وإن كانوا لا ينالون منهم ما يبل غلة أو يسيغ غصة، وليت شعري إن كان لا بد لهم من إجلال المال, وإعظامه لذاته فما لهم لا يقبّلون أيدي الصيارفة ولا ينهضون إجلالا للكلاب المطوقة أعناقها بأطواق الذهب, وهم يعلمون ألا فرق بين هؤلاء وهؤلاء.
    لو عامل الفقراء بخلاء الأغنياء بما يجب أن يعاملوا به, لوجدوا أنفسهم في وحشة من أنفسهم وأموالهم، ولشعروا أن بدرات الذهب أساود ملتفة على أرجلهم وأغلال آخذة بأعناقهم, ولعلموا أن الشرف في كمال الأدب لا في رنين الذهب، وفي جلائل الأعمال لا في أحمال المال.
    فليعظم الناس الكرماء وليحتقروا الأغنياء، وليعلموا أن الشرف شيء وراء الغنى والفقر، والسعادة أمر وراء الكوخ والقصر.
    جميع الحقوق محفوظة ل سطور الأمل
    تصميم : Dr.Sara Hassaan