خطب معاوية بدمشق، فقال: أيها الناس: سافروا بأبصاركم في كر الجديدين،
ثم ارجعوها كليلة عن بلوغ الأمل، فإن الماضي عظة للباقي، ولا تجعلوا الغرور
سبيل العجز عن الجد، فتنقطع حجتكم في موقفٍ اللهُ سائلُكم فيه، ومحاسبُكم
فيما أسلفتم، أيها الناس: أمس شاهد فاحذروه، واليوم مؤدب فاعرفوه، وغدًا
رسول فأكرموه".
كتب إليه عمر بن عبد العزيز رحمهما الله: اكتب إلي يا أبا سعيد بموعظة، فأوجز، فكتب إليه: "أما
بعد يا أمير المؤمنين: فكأن الذي كان لم يكن، وكأن الذي هو كائن قد نزل،
واعلم يا أمير المؤمنين أن الصبر، وإن أذاقك تعجيل مرارته، فلنعم ما أعقبك
من طيب حلاوته، وحسن عاقبته، وأن الهوى، وإن أذاقك طعم حلاوته، فلبئس ما
أعقبك من مرارته، وسوء عاقبته، واعلم يا أمير المؤمنين أن الفائز من حرص
على السلامة في دار الإقامة، وفاز بالرحمة فأدخل الجنة".
جاور قيس بن زهير العبسي1 بعد يوم الهباءة النمر بن قاسط، وتزوج منهم، وأقام فيهم حتى ولد له؛ فلما أراد الرحيل عنهم قال: "يا معشر النمر: إن لكم علي حقًا، وأنا أريد أن أوصيكم، وآمركم بخصال،
وأنهاكم عن خصال، عليكم بالأناة؛ فإن بها تدرك الحاجة، وتنال القرضة،
وتسويد من لا تعاون بتسويده، وعليكم بالوفاء؛ فإن به يعيش الناس وبإعطاء من
تريدون إعطاءه قبل المسألة، ومنع من يريدون منعه قبل الإلحاح، وإجارة
الجار على الدهر، وتنفيس المنازل عن بيوت اليتامى، وخلط الضيف بالعيال. وأنهاكم
عن الغدر؛ فإنه عار الدهر، وعن الرهان، فإني به ثكلت مالكًا أخي وعن الغي،
فإنه قتل زهيرًا أبي1، وعن الإعطاء في الفضول، فتعجزا عن الحقوق، وعن
السرف في الدماء، فإن يوم الهباءة3 ألزمني العار، ومنع الحرم إلا من
الأكفاء،فإن لم تصيبوا لهن الأكفاء. فإن خير مناكحهن القبور، "أو خير منازلها"،
واعلموا أني كنت ظالمًا مظلومًا، ظلمني بنو بدر بقتلهم مالكًا أخي، وظلمتهم
بأن قتلت من لاذنب له".
هو صاحب حرب داحس والغبراء، وكان من قصته أنه
تراهن هو وحذيفة بن سيد بني ذيبان على فريسهما داحس "فرس قيس" والغبراء
"فرس حذيفة" -وقيل إنهما تراهنا على داحس والغبراء فرسي قيس، والخطار
والحنفاء فرسي حذيفة- وتواضعا الرهان على مائة بعير، ثم قادوهما إلى رأس== الميدان، وفي طرف الغاية شعاب كثيرة، فأكمن حمل
بن بدر في تلك الشعاب فتيانًا على طريق الفرسين، وأمرهم إن جاء داحس سابقًا
أن يردوا وجهه عن الغاية؛ فأرسلوهما فأحضرا، فلما شارف داحس الغاية ودنا
من الفتية، وثبوا في وجهه فردوه عنها، وعلم قيس بذلك، وبعث حذيفة بن بدر
ابنه مالكًا إلى قيس يطلب منه حق السبق؛ فقال قيس: كلا لأمطلنك به؛ فتناول
ابن حذيفة من عرض قيس وشتمه وأغلظ له، وكان إلى جنب قيس رمح فطعنه به فدق
صلبه، واجتمع الحيان وأدوا دية المقتول، وأخذها حذيفة دفعًا للشر، ثم إن
قومه ندموه فعاد الشر بينهم، وقامت الفتن بين الحيين، وعدا حذيفة على مالك
بن زهير أخي قيس فقتله، وكان الربيع بن زياد عمهما معتزل الحرب؛ فلما سمع
بمقتل ابن أخيه مالك شق ذلك عليه وقاتل بني ذبيان، ثم توالت أيام الحروب
بينهم، وكان أعظمها يوم الهباءة حتى أصلح بينهم الحارث بن عوف وهرم بن سنان
المريان، وحملا ديات القتلى ثلاثة آلاف بعير. 1 وسبب مقتل زهير بن
جذيمة العبسي أبي قيس، أن هوازن بن منصور كانت تؤتي الإتاوة زهير بن جذيمة
-ولم تكثر عامر بن صعصعة بعد- فأتت عجوز من هوازن إلى زهير بسمن في نحي
"النحي كحمل الزق، أو ما كان للسمن خاصة" فاعتذرت إليه، وشكت السنين
اللواتي تتابعن على الناس "فذاقه فلم يرض طعمه، فدعها أي دفعها بقوس في يده
فسقطت فبدت عورتها؛ فغضبت من ذلك هوازن وحقدته إلى مكان في صدورها من
الغيط، وكانت يومئذ قد كثرت بنو عامر بن صعصمة فثاروا إليه فقاتلوه حتى
قتلوه. 3 وكان حذيفة بن بدر وأخوه نزلا مع أصحابهما في حفر الهباءة،
فأتبعهم قيس ومن معه حتى أدركهم فيه، وقد أرسلوا خيولهم ونزعوا سلاحهم
"وكان حذيفة قد أخذ غلامين من بني عبس؛ فقتلهما وهما يسغيثان يا أبتاه حتى
ماتا" فشد قيس والربيع ومن معهما عليهم، وهم ينادون لبيكم لبيكم، يعني أنهم
يجيبون نداء الصبية لما قتلوا ينادون يا أبتاه، فناشدوهم الله والرحم، فلم
يقبلوا منهم، وقتلوا حذيفة وحملا أخاه، ومثلوا بحذيفة فقطعوا مذاكيره
وجعلوها في فيه وجعلوا لسانه في استه، وأسرف قيس في النكاية والقتل، وكانت
فزارة تسمى هذه الوقعة البوار، ولكن فيما ندم بعد ذلك ورثى حمل بن بدر، وهو
أول من رثى مقتوله.
كان يقول: "لا يستحق أحد حقيقة الإيمان، حتى لا يعيب الناس بعيب هو فيه ,ولا
يأمر بإصلاح عيوبهم، حتى يبدأ بإصلاح ذلك من نفسه، فإنه إذا فعل ذلك لم
يصلح عيبا إلا وجد في نفسه عيبا آخر ينبغي له أن يصلحه، فإذا فعل ذلك شغل
بخاصة نفسه عن عيب غيره، وإنك ناظر إلى عملك بوزن خيره وشره، فلا تحقرن
شيئا من الخير وإن صغر؛ فإنك إذا رأيته سرك مكانه، ولا تحقرن شيئًا من الشر
وإن صغر؛فإنك إذا رأيته ساءك مكانه".
كان إذا قرأ: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ }قال: عم ألهاكم؟ عن دار
الخلود، وجنة لا تبيد، هذا والله فضح القوم، وهتك الستر، وأبدى العوار،
تنفق مثل دينك في شهواتك سرفًا، وتمنع في حق الله درهمًا! ستعلم يا لكع،
الناس ثلاثة: مؤمن، وكافر، ومنافق؛ فأما المؤمن: فقد ألجمه الخوف وقومه ذكر
العرض؛ وأما الكافر: فقد قمعه السيف، وشرده الخوف، فأذعن بالجزية، وسمح
بالصربية؛ وأما المنافق: ففي الحجرات والطرقات، يسرون غير ما يعلنون،
ويضمرون غير ما يظهرون، فاعتبروا إنكارهم ربهم، بأعمالهم الخبيثة، ويلك؟
قتلت وليه، ثم تتمنى عليه جنته؟ ".
أوصى حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري بني بدر فقال: "اسمعوا مني ما أوصيكم
به: لا يتكل آخركم على أولكم؛ فإنما يدرك الآخر ما أدركه الأول، وأنكحوا
الكفء الغريب؛ فإنه عز حادث، وإذا حضركم أمران، فخذوا بخيرهما صدرًا1، فإن
كل مورد مغروف، وأصحبوا قومكم بأجمل أخلاقكم، ولا تخالفوا فيما اجتمعوا
عليه، فإن الخلاف يزري بالرئيس المطاع، وإذا حادثتم فاربعوا2، ثم قولوا
الصدق؛ فإنه لا خير في الكذب، وصونوا الخيل فإنها حصون الرجال، وأطيلوا
الرماح فإنها قرون الخيل، وأعزوا الكبير بالكبر؛ فإني بذلك كنت أغلب الناس،
ولا تغزوا إلا بالعيون3، ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصباح4، وأعطوا على حسب
المال، وأعجلوا الضيف بالقرى5، فإن خيره أعجله، واتقوا فضيحات البغي،
وفلتات المزاح، ولا تجيروا على الملوك، فإن أيديهم أطول من أيديكم".
1الصدر: الرجوع. 2 ربع: كمنع انتظر وتحبس، وربع الحبل: فتله من أربع طاقات، والمعنى إذا حادثتم فتأنوا وتمهلوا، أو فأحكموا القول. 3 العيون: جمع عين، وهي خيار كل شيء. 4 الصباح الغارة: أي ولا تسرحوا مقاتلتكم حتى تأمنوا الغارة. 5 قرى الضيف يقريه قرى: أحسن إليه، والقرى أيضًا ما قرى به الضيف.